النهب يطال 59% من المواقع الأثرية في سوريا

وفقاً لآخر دراسة نشرتها مجلة Heritage العلمية، واعتمدت على تحليل صور أقمار صناعية حديثة لنحو 199 موقعاً أثرياً في سوريا، عُدَّت مدينة عفرين من أكثر المدن تعرضاً لعمليات النهب الآلي للآثار.
وصنّف الباحثون الأضرار إلى أربعة أنماط رئيسة هي النهب التقليدي، والنهب الآلي باستخدام الجرافات، والعسكرة، وإقامة المباني والمخيمات فوق المواقع الأثرية.
59% من المواقع تعرضت للنهب
أظهرت نتائج الدراسة أن 116 موقعاً من أصل 199 موقعاً تعرضت لعمليات نهب بدرجات متفاوتة، أي ما يعادل 59% من إجمالي المواقع التي جرى تقييمها.
ويمثل ذلك ارتفاعاً كبيراً مقارنة بدراسة سابقة غطت الفترة بين 2011 و2016، والتي سجلت تعرض 355 موقعاً من أصل 2641 موقعاً للنهب، بنسبة 13.4% فقط.
ورجحت الدراسة أن يكون انتشار النهب الصغير مرتبطاً بتدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية وضعف تطبيق القانون، مؤكدة أن هذا النمط أصبح الأكثر انتشاراً خلال السنوات الأخيرة.
عين دارة… خسائر كبيرة بسبب الجرافات
الدراسة سلطت الضوء على مدينة عفرين بوصفها الأكثر تضرراً من النهب الآلي منذ أواخر عام 2018 لتمتد إلى عام 2025، مشيرة إلى أن عشرات التلال الأثرية تعرضت للتجريف بواسطة الجرافات، وهي الفترة الزمنية نفسها لاحتلال تركيا ومرتزقتها للمدينة.
حيث جاء في الدراسة: “بدءاً من أواخر عام 2018، احتل الجيش التركي والفصائل المتحالفة معه على عدة مناطق في شمال سوريا، من بينها وادي عفرين والمنطقة ذات الغالبية الكردية المحيطة بمدينة كوباني، وفي هذه المناطق نفسها، تعرض عدد كبير من المواقع الأثرية لاحقاً لأضرار بالغة نتيجة عمليات النهب الآلي، والتي يبدو أنها نفذت بالتنسيق مع القوات العسكرية أو تحت حمايتها.”
وأوضحت الدراسة أن موقع عين دارة الأثري تعرض بداية لقصف على يد جيش الاحتلال التركي مطلع عام 2018، أعقبه سرقة تمثال الأسد الحجري الشهير المنقول بحسب الدراسة إلى تركيا، قبل أن تبدأ عمليات التجريف المنظم في شباط 2019.
فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية، أن أعمال التجريف بحلول كانون الثاني 2022 شملت التلين المرتفع والمنخفض بالكامل، ولم يبق من الموقع سوى مجمع المعبد الحجري، بعد إزالة كميات كبيرة من الطبقات الأثرية.
ورأت الدراسة أن هذا النوع من التجريف يعد الأخطر، لأنه لا يقتصر على سرقة اللقى الأثرية، بل يدمر الطبقات التاريخية نفسها، ويكشف الطبقات الأقدم، ما يجعلها أكثر عرضة للنهب مستقبلاً.
النبي هوري.. موقع دُمّر بالكامل
ومن الأمثلة التي أوردتها الدراسة، موقع النبي هوري (سيروس) في ريف عفرين، حيث بدأت أعمال التجريف المنظم في منتصف عام 2019، قبل أن تظهر صور الأقمار الصناعية في تشرين الأول 2020 تدمير الموقع بالكامل تقريباً.
كما وثقت الدراسة تدمير موقع صنفته تحت رمز “CRN 4715″، بعد ظهور جرافات تعمل فوق التل عام 2019، فيما أزيلت أشجار الزيتون وجرفت كامل طبقاته الأثرية بحلول عام 2022.
العسكرة تزيد حجم الخسائر
ورصد الباحثون انتشاراً واسعاً لظاهرة عسكرة المواقع الأثرية، عبر إنشاء خنادق وملاجئ ومنصات مدفعية فوق التلال الأثرية.
وأوضحت الدراسة أن مواقع مثل إيبلا بإدلب وتل قرقور بسهل الغاب في حماة، تعرضت لتحويل أجزاء واسعة منها إلى مواقع عسكرية، خلال سنوات الأزمة، ما أدى إلى تدمير طبقات أثرية، إضافة إلى ترك ذخائر غير منفجرة ومواد ملوثة تحتاج إلى إزالة قبل البدء بأي أعمال ترميم.
كما وثقت الدراسة إقامة مخيمات للنازحين فوق عدد من المواقع الأثرية، أبرزها تل البيعة شرق الرقة، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية وجود أكثر من 120 خيمة بين عامي 2018 و2020.
ورغم إزالة المخيم لاحقاً، أكدت الدراسة أن الموقع تعرض لأضرار كبيرة، إلى جانب ظهور حفر نهب جديدة بعد تفكيكه.
توصيات بحماية ما تبقى من التراث
في ختامها، دعت الدراسة إلى إعطاء الأولوية لتقييم المواقع التي تعرضت للتجريف، وتوثيق الطبقات الأثرية المكشوفة، وتوسيع مراقبة المواقع باستخدام الأقمار الصناعية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي لحماية ما تبقى من التراث الثقافي السوري.
يذكر أن مجلة Heritage هي مجلة دولية علمية تعنى بعلوم التراث الثقافي والطبيعي، وتصدر شهرياً عن دار النشر MDPI، والتي يقع مقرها في مدينة بازل بسويسرا.



